أحمد مصطفى المراغي
16
تفسير المراغي
روى ابن جرير أن أبا لبابة وأصحابه ( ممن تخلفوا وتابوا وسيأتي ذكرهم ) جاءوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين أطلقوا فقالوا يا رسول اللّه هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا فقال « ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا » فأنزل اللّه ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) فلما نزلت أخذ الثلث من أموالهم فتصدق به عنهم . وهذا النص - وإن كان سببه خاصا - عام في الأخذ ، يشمل خلفاء الرسول من بعده ومن بعدهم من أئمة المسلمين ؛ وفي المأخوذ منهم وهم المسلمون الموسرون ، ومن ثم قاتل أبو بكر الصديق وسائر الصحابة مانعى الزكاة من أحياء العرب حتى أدّوا الزكاة كما كانوا يؤدونها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : « واللّه لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه » . الإيضاح ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) أي خذ أيها الرسول من أموال هؤلاء ومن غيرهم من سائر أموال المؤمنين على اختلاف أنواعها من نقد وأنعام وأموال تجارة ، صدقة بمقدار معين في الزكاة المفروضة أو بمقدار غير معين في زكاة التطوع تطهرهم بها من دنس البخل والطمع والقسوة على الفقراء البائسين ، وتزكى أنفسهم بها وترفعهم إلى منازل الأبرار بفعل الخيرات حتى يكونوا أهلا للسعادة الدنيوية والأخروية . وقد نسبت التزكية إلى اللّه في قوله : « وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ، وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ » لأنه الخالق الموفق للعبد لفعل ما تزكو به نفسه وتصلح . ونسبت إلى رسول اللّه في قوله : « هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ » .